حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

284

التمييز

المصائب أو يهنّوه على النّعم فإنّهم ينالون بذلك ثوابا ، وكذلك إذا كان من العلماء فأذن لهم في الزّيارة نالوا ثواب ذلك ، وكان هو بالتمكين سببا فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها وعند ذلك يترجح أحدهما بالنّظر الصحيح . وأمّا التواضع فإنّه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة وقد يكون الكبر سببا في اختياره العزلة ، فكم معتزل في بيته وباعثه الكبر ، ومانعه عن المحافل أن لا يوقّر أو يرى الترفّع عن مخالطتهم أرفع لمحلّه وأبقى لطراوة ذكره بين النّاس ، وقد يعتزل خيفة أن تظهر مقابحه لو خالط فلا يعتقد فيه الزّهد والاشتغال بالعبادة فيتّخذ من البيت سترا على مقابحه إبقاء على اعتقاد النّاس في زهده وتعبّده من غير استغراق وقت في الخلوة بذكر أو فكر ، وعلامة / 136 ب / هؤلاء إنهم يحبّون أن يزاروا ولا يحبّون أن يزوروا ، ويفرحون بتقرّب العوام والولاة إليهم واجتماعهم عند أحدهم وفي طريقهم وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرّك ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغّض إليه المخالطة وزيارة النّاس لبغّض إليه زيارة النّاس له ، فمن ليس مشغولا مع نفسه بذكر اللّه فاعتزاله من النّاس سببه شدّة اشتغاله بالناس لأن قلبه تجرّد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام . النّاس يمدحونك بما يظنون فيك فكن أنت ذامّا لنفسك لما تعلم منها ، أجهل النّاس من ترك يقين ما عنده لظنّ ما عند النّاس . والعزلة بهذا السّبب جهل من وجوه ؛ أحدها انّ التواضع والمخالطة لا تنقص من منصب من هو كبير بعلمه أو بدينه إذ كان علي رضي اللّه عنه يحمل التمر في ثوبه ويقول : لا ينقص الكامل من كماله ما جرّ نفعا لعياله . وكان أبو هريرة رضي اللّه عنه وحذيفة وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين يحملون حزمة الحطب وجراب الدّقيق على ظهورهم . وكان سيد المرسلين / 137 أ / صلى اللّه عليه وسلّم يشتري الشيء فيحمله إلى بيته بنفسه الكريمة فيقول له من حضر : أعطني أحمله عنك . فيقول : صاحب المتاع أحق بحمله إلّا أن يكون ضعيفا يعجز عنه فيعينه أخوه المسلم .